السياسة من الأشاعرة حتى الوهابية إلى الإرهاب «6»

المصرى اليوم 0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليس فى التاريخ حقيقة مطلقة طالما يكتبها الحكام بأقلامهم ومدادهم، وينسخها حكام يأتون بعدهم. وتراث الأديان نسخه النساخون وفسره المفسرون، ونقله الناقلون، واجتهد فيه المجتهدون، أصاب من أصاب وأخطأ فيه من أخطأ، ولا ندرى كم كانت مسافة البعد عن الأصل أو مسافة القرب منه، وكانت الفرق الإسلامية فى الكثير منها إحدى أدوات الحكام فى شغل الأمة عن ظلمهم، وتحصين حكمهم ضد العامة، فاستجاب منهم من استجاب، ووسع لهم الحكام فى نعمهم، وامتنع منهم من امتنع، وضيق لهم الحكام فى محبسهم، ومنهم من حمل الحمل نصف الطريق حتى اشتد عوده وابتعد.

الشيعة تحصنت بإمامهم وآل البيت من بعده. أهل السنة احتضنهم معاوية وخلفاؤه من بعده. المعتزلة كانوا فى كنف المأمون الخليفة العباسى، فلما مات الخليفة توارت المعتزلة عن الأفق وهاجرت إلى حضن شيعتها ونصيرها فى البصرة. أحمد بن حنبل كان فى رعاية المتوكل الخليفة العباسى الذى أطلق سراحه، وفك أسره من سجن أخيه المأمون فى محنة خلق القرآن، فلما مات الخليفة غاب واختبأ الفكر الحنبلى وخرج عنه من خرج. الأشاعرة كانوا فى حفظ ورعاية الدولة السلجوقية فلما ذهبت الدولة، أفل نجمها واحتجبت حتى أعادها من غيابها واحتجابها السلطان صلاح الدين الأيوبى. شيخ الإسلام ابن تيمية كان فى حماية وحراسة محمد بن قلاوون السلطان المملوكى وحصن فكره الذى يخالف فقه المذاهب الأربعة، وأصوله التى تخالف أصول الأشاعرة وتبنيه فكر «حشوية الحنابلة» (وهى الفرقة التى انشقت عن الحنابلة التى ترى أن الأخذ بالأحاديث حتى لو كانت ضعيفة أو غير صحيحة أفضل من الإفتاء بالرأى أو الاجتهاد، وكانت بداية الأخذ بالضعيف من الأحاديث فى العقائد، والأحاديث الموضوعة من الإسرائيليات، وكان ما نلاقيه الآن) ولما تخلى عنه سلاطين المماليك لغرابة أفكاره، واتهامه من المشايخ بالزندقة والهرطقة حبس سبع مرات، كانت الأخيرة فى سجن القلعة فى دمشق الذى مات فيه عن كتابه عدم جواز شد الرحال لزيارة قبر الرسول وقالوا «حبسه الأشاعرة» وحُبست أفكاره وماتت بموته وطواها النسيان والعدم، حتى جاءها محمد بن عبدالوهاب وأقامها من عدمها، وأحياها من مرقدها ومعها الفكر المتطرف من «حشو الحنابلة» واعتبر نفسه أهلا لمذهب أهل السنة والجماعة وأنكر فكر الأشاعرة وفقه المذاهب الأربعة وسار على نهج ابن تيمية، وكان تحت ستر وحماية وحراسة ومناصفة الدولة السعودية الأولى.

الحقيقة أيضا تقول إن الفتنة الكبرى بين علىّ ومعاوية هى التى شقت صف المسلمين إلى فريقين سنة وشيعة، وخرجت من رحمهما كل الفرق الخلافية إلى يومنا هذا، وحتى القادم من تاريخ المسلمين. كم كان الثمن غاليا ندفعه كما دفعه من كان قبلنا، وسيدفعه من يأتى بعدنا من المسلمين ومن غيرهم. وكانت الفتنة الكبرى بداية تغييب العقل ابتغاء رضاء الحكام، حتى وصل الأمر بالمسلمين أن يقروا الحاكم على ظلمه، ويبايعوه هو وأولاده بيعة بأمر من الله واختياره وقدره. وأول من شرعها معاوية بن أبى سفيان بتنشئته وتبنيه فكرة الجبر «الجبرية»، قابلها للرد عليها أهل الشيعة والمعتزلة بفكرة «الاختيار» ووقف المسلمون حيارى بين «الفعل وصانعه» أهو الإنسان أم الله؟ وهل الإنسان مجبر على اختياراته لا شأن ولا إرادة له؟ أم أن الإنسان يصنع أفعاله خيرها وشرها بنفسه، ويخلقها وليس غيره؟ وهل الأفعال قضاء الله وقدره على العباد؟ أم أن إرادة الإنسان حرة مختارة ومسؤولة عنها؟ وهل الحكام قدر الله واختياره والولاية بأمر منه، ولا يحق للمسلم الخروج على أمر الله وقضائه؟ أم الحكم والولاية اختيار وإرادة فى التغيير؟. ووقف المسلمون حيارى بين فكرين يناقض بعضهما بعضا، فالجبر يخالف قانون السببية، ويبرئ الإنسان من خطأ أفعاله وينسبها كلها إلى الله، فمادام الله خالق أفعال العباد ومجبرون عليها ولا حرية له فى الرفض أو القبول، فلماذا يحاسبه الله على الفعل إذا أخطأ ويكافئه على ما فعل إذا أصاب؟. وبين فكر الاختيار الذى يساوى بين فعل الله وفعل العبد، ويوازى بين إرادة الله وإرادة العبد، وتتكافأ فيه مشيئة الله ومشيئة العبد، ويشارك فى حكم الله وخلق الله وملكه حكم العبد وإرادته، والتى لا يرضى الله الفاسد منها، ولا يقبل الله الظلم فيها. فكيف يكون كون الله وحده، حرا فى اختياراته، واحدا فى مشيئته لا يشاركه فيها غيره، وتشاركه إرادة أخرى ومشيئة أخرى حتى لو كانت هذه الإرادة وهذه المشيئة من خلقه؟ هكذا كانت اللبنة الأولى فى فكر الأشاعرة.

الأشاعرة: تحدثنا فى مواقف كثيرة عن نشأتها، لكن المهم أن فكر الأشاعرة قد تم بناؤه على مراحل فلم يكن مكتملا فى حياة مؤسس المذهب وهو أبوالحسن الأشعرى، وبناؤها تم على مراحل من أئمتها ولابد من ذكر أئمة المذهب ولكل بصماته، وهم القاضى أبوبكر الباقلانى، أبوإسحاق الشيرازى، أبوحامد الغزالى، أبوالمعالى الجوبنى، والإمام النووى شارح صحيح مسلم ورياض الصالحين، والإمام العسقلانى شارح صحيح البخارى والمفسرون القرطبى، وابن العربى، والرازى، والسيوطى، والألوسى، والزرقانى، ومن أهل الحديث الحاكم والبيهقى وابن عساكر والعز بن عبدالسلام وابن حجر. (الخميس المقبل).

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق